ابن كثير

21

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يعدلوا عنه . وثبت في الصحيحين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لما دخل الكعبة ، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها ، وفي أيديهما الأزلام فقال « قاتلهم اللّه لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا » « 1 » . وفي الصحيح : أن سراقة بن مالك بن جعشم ، لما خرج في طلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر ، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين ، قال : فاستقسمت بالأزلام ، هل أضرهم أم لا ؟ فخرج الذي أكره لا يضرهم . قال : فعصيت الأزلام واتبعتهم ، ثم إنه استقسم بها ثانية وثالثة ، كل ذلك يخرج الذي يكره لا يضرهم ، وكان كذلك ، وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك ثم أسلم بعد ذلك « 2 » . وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن يزيد عن رقية ، عن عبد الملك بن عمير ، عن رجاء بن حيوة ، عن أبي الدرداء ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لن يلج الدرجات من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر طائرا » « 3 » . وقال مجاهد في قوله وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ قال : هي سهام العرب ، وكعاب فارس والروم ، كانوا يتقامرون بها « 4 » . وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار ، فيه نظر ، اللهم إلا أن يقال : إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة وفي القمار أخرى ، واللّه أعلم . فإن اللّه سبحانه قد قرن بينها وبين القمار وهو الميسر فقال في آخر السورة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ - إلى قوله - مُنْتَهُونَ . وهكذا قال هاهنا وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ أي تعاطيه فسق وغي وضلالة وجهالة وشرك . وقد أمر اللّه المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه . كما روى الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد اللّه ، قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن ، ويقول « إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال :

--> ( 1 ) صحيح البخاري ( حج باب 54 ومغازي باب 48 ) ( 2 ) مسند أحمد 4 / 175 - 176 . ( 3 ) في الدر المنثور للسيوطي 2 / 455 : « لن يلج الدرجات العلى من تكهّن أو استقسم أو رجع من سفر تطيرا » . قال : وأخرجه الطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء . ( 4 ) تفسير الطبري 4 / 416 .